فخر الدين الرازي
244
تفسير الرازي
إثبات إلهيته ، إما أن تكون فلكية أو عنصرية ، أما الفلكية فأقسام أحدها : خلق السماوات والأرض ، وهذا المعنى يدل على وجود الإله القادر من وجوه كثيرة شرحناها في تفسير قوله تعالى : * ( الحمد الله الذي خلق السماوات والأرض ) * ( الأنعام : 1 ) والثاني : اختلاف أحوال الليل والنهار وهو المراد ههنا من قوله : * ( يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل ) * وذلك لأن النور والظلمة عسكران مهيبان عظيمان ، وفي كل يوم يغلب هذا ذاك تارة ، وذلك هذا أخرى . وذلك يدل على أن كل واحد منهما مغلوب مقهور ، ولا بد من غالب قاهر لهما يكونان . تحت تدبيره وقهره وهو الله سبحانه وتعالى ، والمراد من هذا التكوير أنه يزيد في كل واحد منهما بقدر ما ينقص عن الآخر ، والمراد من تكوير الليل والنهار ما ورد في الحديث : " نعوذ الله من الحور بعد الكور " أي : من الإدبار بعد الإقبال ، واعلم أنه سبحانه وتعالى عبر عن هذا المعنى بقوله : * ( يكور الليل على النهار ) * وبقوله : * ( يغشى الليل النهار ) * ( الأعراف : 54 ) وبقوله : * ( يولج الليل في النهار ) * ( فاطر : 13 ) وبقوله : * ( وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر ) * ( الفرقان : 62 ) والثالث : اعتبار أحوال الكواكب لا سيما الشمس والقمر ، فإن الشمس سلطان النهار والقمر سلطان الليل ، وأكثر مصالح هذا العالم مربوطة بهما وقوله : كل يجري لأجل مسمى ) * الأجل المسمى يوم القيامة ، لا يزالان يجريان إلى هذا اليوم فإذا كان يوم القيامة ذهبا ، ونظيره قوله تعالى : * ( وجمع الشمس والقمر ) * ( القيامة : 9 ) والمراد من هذا التسخير أن هذه الأفلاك تدور كدوران المنجنون على حد واحد إلى يوم القيامة وعنده تطري السماء كطي السجل للكتب . ولما ذكر الله هذه الأنواع الثلاثة من الدلائل الفلكية قال : * ( ألا هو العزيز الغفار ) * والمعنى : أن خلق هذه الأجرام العظيمة وإن دل على كونه عزيزاً أي كامل القدرة إلا أنه غفار عظيم الرحمة والفضل والإحسان ، فإنه لما كان الإخبار عن كونه عظيم القدرة يوجب الخوف والرهبة فكونه غفاراً يوجب كثرة الرحمة ، وكثرة الرحمة توجب الرجاء والرغبة ، ثم إنه تعالى أتبع ذكر الدلائل الفلكية بذكر الدلائل المأخوذة من هذا العالم الأسفل ، فبدأ بذكر الإنسان فقال : * ( خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها ) * ودلالة تكون الإنسان على الإله المختار قد سبق بيانها مراراً كثيرة ، فإن قيل كيف جاز أن يقول : * ( خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها ) * والزوج مخلوق قبل خلقهم ؟ أجابوا عنه من وجوه الأول : أن كلمة ثم كما تجيء لبيان كون إحدى الواقعتين متأخرة عن الثانية ، فكذلك تجيء لبيان تأخر أحد الكلامين عن الآخر ، كقول القائل بلغني ما صنعت اليوم ، ثم ما صنعت أمس كان أعجب ، ويقول أيضاً قد أعطيتك اليوم شيئاً ، ثم الذي أعطيتك أمس أكثر الثاني : أن يكون التقدير خلقكم من نفس خلقت وحدها ثم جعل منها زوجها الثالث : أخرج الله تعالى ذرية آدم من ظهره كالذر ثم خلق بعد ذلك حواء . واعلم أنه تعالى بما ذكر الاستدلال بخلقة الإنسان على وجود الصانع ذكر عقيبه الاستدلال